علاقة حبّ

حازم العلي
صديقي يحدثني عن علاقة حب ريفية تحمل في طياتها الاخلاص، في عمر الشباب والحيوية والحياة الجامعية، هنا كطائران جميلان يُحلّقان في سماء الحب فيعانقان الأمل.
يلتقيان على الرغم من عدم وجود التواصل الحالية في أماكن مختلفه ،
باص المصلحة من ساحة أم البروم حيث يمتلئ بالفراشات وهنّ يضعن حقائبهنّ وكتبهنّ على صدورهنّ اليانعه فلم يبالين بأن تؤذيهن الكتب أو الأقلام. عطور زكيةتملأ فضاء المرآب والباص،
عطرها يظلّ عالقاً بالأنوف إليوم هذا لنقاء حامليها.
في ذات مرة التقيا عند شط العرب على مصطبة خشبية في شارع الكورنيش أحسّا خشبها كالديباج وقد شهد على جلوسهما ومناغاتهما صوتُ النوارس.
يجلسان على طاولةٍ واحدة تتلاقى نظراتهما وتتسارعُ دقات قلبيهما وتتعانقُ روحاهما.
وتتكررُ اللقاءاتُ وتمرُّ الأيامُ والسنون وتتخرجُ قبله بسنة واحدة لكن المفاجأة حدث جفاء غير متوقع لعدم استطاعتهما اللقاء.
لكنه ظل يمرّ بدراجته الهوائية من أمام دارها لكي يستنشق عطرها أو أن تسنح فرصة ليراها فيطفئ نيران قلبه.
لإنها تركت أثراً طيباً في نفسه فهو يعترفُ ابحبها ولم يفكرفي أن ينظر لامرأة غيرها.
بعد التخرج قد التحقَ بالخدمة العسكرية وبذلك انقطعَ امل بلقائها.
ولمشاغل الحياة يبدو أنّ لقاءَها أصبحَ صعباً، ولسوء الحظ أنّه لم يستطع الحصول على معلومات عنها لاسيما أنه يعود إلى البصرة في نهاية الأسبوع دائماً وربما لم يأتِ الى اهله أحياناً حسب الضرورة.
انشغلَ أكثر بحياته الجديدة وهي خدمةُ العَلَم وأماكن لاتعرف الاتصال لذلك كان تعيساً لعدم لقائها مرة أخرى فحصل الجفاءُ الذي لا مبرر له.
مرة أخرى صديقي يعترفُ بالتقصير تُجاه امرأة أحبَّتهُ واخلصت له ولم يلتقيا.
بعدها عرف أنَّ الإنسانة التي فقدت الأمل بلقياه قدأصابها اليأس ولم تستطع مقاومة الطلبات وإلحاح الأهل فكانت قد وافقت على خطيبٍ تقدم لها.
فقد انتهى كل شيء وما كانَ عليه إلا أن يستجمع بقاياالذكريات لكي يعيش عليها.
مرت سنواتُ العمر فلم يتمكن من معرفة أخبارها فبدأيفقد الأمل بالحصول على أخبارها وزادت من ذلك شراسةالحروب والمعارك والقصف على المدن.
ولمرور فترة طويلة على فراقهما تزوج من امرأة مدرّسة لتملأ جزءً من الحبّ في قلبه.
أصبحَ مسؤولاً عن عائلة وأولاد شغلتهُ مشاكلُ الحياة نوعاًما عن البحث.
وكانت هناك نقطة تحوّل في حياته أن يظهر اسمه لأداءمناسك الحج وبدأ يبحث عنها من جديد لكي يبرئ ذمته فقدزارَ أحد أقاربه علَّهُ يساعده في مسعاه لكن دون جدوى فقدذهب يائساً يدعو لها بالسعادة.
وفي إحدى المرات عن طريق التواصل الاجتماعي تواصلَ مع زميلةٍ لها تعرف بعلاقتهماوبدأ الحديث عن تلك الأيام الجميلة وشوقهُ لها فكان لهاالفضل في أن تعيد العاشقين إلى ذكريات الصبا.
فقد تواصلت معها لتخبرها عنه، تقولُ لهُ من فرحتها ارادت أن تخرج من شاشة الهاتف وقد طلبت رقمه وبدأت حكاية العشق الستيني تطفو من جديد.
لذلك بدأ التواصلُ واعادة شريط الذكريات وكلٌّ منهما يلعنُ حظه العاثر، فماكان منها إلا أن تخبره عن معلومة لم تخطرْ على باله وهي تقول أني كنتُ في المدرسة نفسها التي نسّبت لها زوجتك حسب القاعدة الزوجية ،
وقد احتضنتها كأني أعرفها من مدةٍ ليست بالقليلة لأني أشمُّ فيها عطرك وظلّت معنا مدة قليلةلترزق بمولود وتمنح إجازة الولادة وقد زرتها مع المدرسات لأرى صورتك معلقة على قلبي لا على الحائط .
ولأني أريدالمحافظة عليك لم أذكر أيّ شيء يوضّح لها بأني أعرفك.
بعدها انقطعت الأخبار لأننا افترقنا من المدرسة بعد اعادة تنسيبها وأنا منحت الإجازة نفسها.
أما عن التواصل فهو يستمر على نظافة تلك العلاقة الطاهرة.
الاتصال يومياً في الأقل بالرسائل النصية وأحياناًبالصوتيات.
التقيا بدون أي كلام وعادَ بروحيهما الأمل وكلَ واحدٍ منهما عرف عرفَ
من حيث لا يدري
في السنة الأولى من عُمرِ الدراسةِ تَعَلَّقَ بها فصارَ يعشقها حتى الجنون تُبادلُهُ النظرات الحميمة.
ينتظرُ المطرَ لانه يَظُنُّ أنَّ قطراتَهُ تُورِقُ وَرداً من وجنتيها !
ينتظرُها كُلَّ يومٍ ليفطر مع عطرها الفوّاح وهو يعانقُ نسمات خُصلات شعرها في قاعةِ الدرسِ ويتأمَّلُ جَمالَهَا متطلّعاً إلى ذلك اليوم الذي لم يكن يُفكّرُ إلا فيه.
ما أن ينقضي وقتُ المحاضرات نجدهما في إحدى زوايا نادي الطلبة يستمعان إلى مؤنس العاشقين العندليب الأسمر او سيدة الطرب وأحياناً على إحدى مصاطب العاشقين.
جمالهما جمال العصافير ومناغاتهما تغاريد الربيع. حينَ ينقضي اليوم تراهم في باص المصلحة الذي يوصلهما إلى الاهل. تتكرَّرُ هذه المشاهد يومياً يحسدُهم أهلُ الغيرة المقيتة ويفرح لهم أهلُ المحبةِ ومَن هوَ مثلهم.
في أحد الأيام قبل الظهيرة، سمعَ الطلابُ صوتاً عالياً وضربة كفٍّ وشوهد أحدهم على الأرض متأثراً بها .
الفاعلُ هو الحبيب أحمد في وسط دهشة الجميع ولأول مرة شاهدالزملاء ارتباكها وهي تصيّح على حبيبها الذي انقضَّ عليه كالصقر الجارح، إتركهُ
فقد نال الجزاء الذي يستحق.
تدخَّلَ الحضورُ لفَضِّ النزاع بينهما وانقسم
إلى مجموعتين، ولتهدئة الأمور تقدّم أحدهم إلى زميله:
لماذا فعلت هذا يا أخي؟
إنه يُسمع زميلتي كلماتٍ نابية وقد أخبرتني من فترة واليوم ونحن نقفُ نتأمَّلُ جمالَ الجو المشمس أسمَعَنا الكلمات ذاتها فما كان مني إلا هذا التصرف.
في اليوم التالي وصلَ الأمرُ إلى عمادة الكلية
فقرَّرَ مجلس الكلية فصلهما لهذا العام،
فتعقَّدَت الأمورُ أكثر وماعادَ صاحبُنا يحضر الدوام وأشقّاء الآخر وأقاربه يتواجدون تقريباً في بوابة الكلية،
إذن لابدَّ من بادرة لذلك فقد كان لأهل الخير موقف مشرّف، فقد قامَ ممثلُ الطلبة بمقابلة عميد الكليةوتقديم مقترح لعدم تنفيذ القرار لوجود بادرات للصلح وقدحصل على بارقة أمل.
وهنا كانت المفاجأة فقد تم الاتصالُ بمجموعة من الطلبة للحضور إلى دار الزميل المعتدى عليه كشهود في القضية.
تبيّنَ لاحقاً أن هناك اتصالات عشائرية حول أخذ الحقّ،فاتفقت الأطراف على حضورها في لقاءٍ عند أحد الأخيار في منطقة الجمعيات.
ذهبَ الجميع إلى بيت الشيخ وما أن دخل الشباب كانَ طرفا النزاع في الديوان العامرِ بأهلِهِ والحاضرين من أهل الحكمة والعقل.
لاحظَ الجميعُ بأنَّ وجهَ أحمد أصبح شاحباً،
تَبَيَّنَ فيما بعد أن والدهُ أحد الحاضرين.
بعد الضيافة بالشاي والقهوة بدأت الجلسة بكلمات الشيخ المتمكّن بآياتٍ حول الصُلح والتراضي ،
وكلٌّ يدلو بدلوه،فهذا يقولُ ما ذنب أبني يتعرض للضرب وهذا يدافع عن ابنه في الجانب الآخر. ،
وهنا جاء سؤال من كلمة واحدة،
إلى والد أحمد :
ما رأيك؟
وهنا كانت الإجابة التي لا يعرفها أحمد،قال: هذا ابني كلُّهُ غيرة فليس من المعقول أن يُعتَدَى على ابنة عمه بالكلمات النابية ويظلّ متفرجاً.
كيفَ حصلَ هذا يا حاج؟
إن كنتم لا تعرفون وجلستم للصلح فتيقّنوا من أن البنت هي من أبناء عمومته وليس لكم أي تبرير للدفاع عن الخطأ فإهانة ابنتنا تؤخذ بالمصطلح العشائري (مربع) لذلك أرجو القرار من شيخنا “المعزّب”.
بعيداً عن تفاصيل الحديث فقد تنفّسَ أحمد الصُعداء ولم يتم الاستماع إلى الشهود الشباب وبعد سماع الأحاديث ىالادعاءات فقد حَكَمَ الشيخُ القاضي على العشيرة الأخر بالذنب وكان فيهم رجل حكيم قال:
لهذا الموقف الرجولي نحنُ نتنازلُ عن كلِّ
شيء ولدينا بادرة أن ندفع لأحمد وأهله مهر البنت بعد الاتصال بأهلها.
انقضت الجلسةُ بالصلح، وفي اليوم التالي زار الكلية مجموعة من الرجال الكبار مقر اللجنة الاتحادية وبعدها توجهوا لمقابلة عميد الكلية من أجل إلغاء القرار فكان لهم ما أرادوا.
وعندها عاد العصفور الغريد متورد الوجه وفي استقباله تلك الوردة المتفتحة بالأمل وقد ذهبا إلى مكتب الاستنساخ لاكمال المحاضرات الفائتة. وهو يقول
(شفتي غيرة ابن عمك عليك؟).
قالت : (والنعم منك حمووووووودي).
أما الطلبة الآخرون فكانوا ينتظرون حفلة الخطوبة والكيك والعصير على أمل أن تتم الاتصالات والمراسيم بأسرع وقت.
