الأمومة والحب … مفهوم معقد

قطرالندى السعد
يعد مفهوم الحب من أعظم المفاهيم التي تبنى من خلالها حياة الإنسان وأكثرها تعقيدا .. و هذا عدا عن انبثاق العديد من المفاهيم الفرعية عن مفهوم الحب نفسه مثل مفهوم الرعاية، مفهوم الصداقة، مفهوم اللطف، مفهوم الإخلاص و غيرها من المفاهيم الفرعية الأخرى المحركة لمجريات الإنسان وحياته..
و كمحاولة لمعرفة العلاقة المتشابكة و المعقدة التي تربط ما بين مفهوم الحب و غريزة الأمومة، سنعمد إلى تفكيك هذين المفهومين و الوقوف على آليات عملها، لنتمكن بالتالي من تقديم فهم و تصور دقيق لهما.
مفهوم الحب … رؤية نقدية
تتعدد المفاهيم في ضوء رؤية تصنيفية من خلال كلا منهما إلى رؤية نقدية محددة، حيث يمكن تصنيفها إلى مفاهيم علمية بحته مثل مفهوم الجاذبية، مفاهيم البناء الذاتي مثل مفهوم الثقة بالنفس و مفاهيم البناء الاجتماعي مثل مفهوم المشاركة، حيث نجد أن جميع المفاهيم التي تندرج تحت تلك الأنواع من المفاهيم يجمعها عامل مشترك و هو أنها جوهرية، ذات كينونة خاصة، قائمة بذاتها و تحافظ على حضورها التام بمعزل عن غيرها
أما ما يخص مفهوم الحب . فإننا نرى بأنه ليس مفهوما جوهريا ذو كينونة خاصة، بل يتم تصنيفه كمفهوم وظيفي، مفهوم يمتلك حضوره من خلال الوظائف التي يقوم بتقديمها، وترجمتها من أجل تصوير فهم واضح لمفهوم الحب كونه مفهوما وظيفيا، سنقوم بطرح المثال التالي:
لنأخذ مثالا على مفهوم الحب،مثلا الحب بين الأزواج، حيث الوظيفة الأساسية لمفهوم الحب بينهم هو تحقيق الأمان، الأمان الجنسي، الأمان النفسي، الأمان الاقتصادي و الأمان الاجتماعي لكلا الطرفين،
تختلف أشكال هذا الحب باختلاف أولويات أنواع الأمان المطلوبة في هذه العلاقة، فمثلا نجد أن بعض النساء قد تجد زوجها حاضنة نفسية لها توفر لها أكبر قدر من الأمان، لذا فتجد هذا المطلب يصبغ شكل الحب فيما بينهما، و قد تجد بعض الرجال يولي أهمية للأمان الاجتماعي مثلا ..و الذي توفره له زوجة ذو مكانة اجتماعية معينة، فلو افترضنا فقد الزوج أو الزوجة لجميع تلك الأشكال من الأمان التي كانت توفرها العلاقة الزوجية و التي أنبنى الحب فيما بينهما عليها، فلم تعد هذه العلاقة الزوجية توفر لأحد منهما ..مثلا الأمان الجنسي، نتيجة لإصابة الرجل بمرض معين، ولا الأمان النفسي و لا الأمان الاقتصادي كأن يصبح الزوج عاطلا عن العمل مثلا و لا الأمان الاجتماعي، لذا فنجد في مثل هذه الحالة التي تنهار فيها جميع أشكال الأمان التي كانت تلك العلاقة الزوجية تحققها،
هنا الحب ربما قد يتبخر أو ينتهي و لم يعد له حضور، و هذا يثبت عدم جوهريته. بل يؤكد وظيفية هذا المفهوم، و يكون قائما على تحقيق وظائف معينة لأطراف العلاقة و ينتفي وجوده مع توقف هذه الوظائف.
هنا قد يقول قائل، هذا المثال لايعد تجربة ثابتة والا لأنتهى مصير الأسرة مع انتهاء اسباب تكوينها و إلا فما هو تفسير الحب غير المشروط أو التضحية مثلا، هنا نقول نعم هنالك جوانب و أبعاد لمفهوم الحب و لكنها خارجية و لا تشكل ماهيته، بل هي تتشكل بفعل عوامل خارجية مثل الإرث و المناخ الثقافي الذي ينشأ فيه الإنسان من منظومات أخلاقية و عادات و تقاليد، إضافة إلى التجربة الشخصية للفرد و بنيته الذهنية و العاطفية، فنجد أن جميع ذلك لا بد أن يؤثر على تشكيل مفهوم الحب لدى الإنسان و أن يحدد مخرجاته، فيبقى الحب مفهوما وظيفيا لا جوهريا، و أدلل على ذلك بالتضحية التي يقوم بها البعض من أجل الوطن مثلا، فهذا الشخص حتما لم يخلق مضحيا، لذا نجد هنا أن مفهوم التضحية هذا لم يكن مكونا من مكونات الحب نفسه بل هو منتج اعتقادي تبناه ذلك الشخص بفعل تربية ثقافية معينة، أي كمصدر خارجي، و هذا فيما بين الأشخاص، حيث يكون ذلك الفعل ناشئا بفعل عامل خارجي ضاغط متعلم، و لكنه لا يمثل ركنا أساسيا من بنية مفهوم الحب نفسه.
الآن ما علاقة الحب و غريزة الأمومة، تلك العلاقة التي يظهر فيها مفهوم الحب بأبهى صورة و أشدها حدة و حضورا.
غريزة الأمومة … تفسير عمقي
لا يخرج مفهوم الحب، في سياق فهم الأمومة ولا يتجسد بينهما اي اختلاف ..فمثلا
ما نراه من غريزة الأمومة المرتبطة بالحب عند الحيوانات، هنالك اختلاف كبير في ممارسة هذه الغريزة و هذا الحب باختلاف أنواعها، فمنها ما يعتني بصغيره و يمده بالحنان و الحب لفترة قصيرة بمجرد أن يتعلم تناول طعامه و عندها تتركه الأم، و منها ما تمكث معه فترة أطول لتعليمة كيفية الدفاع عن نفسه و هكذا، لذا نجد أن الوظيفة الأساسية لغريزة الأمومة عند الحيوان هي المحافظة على النسل و أن الحب و مظاهره ما هي إلا عناوين لهذه الغريزة فقط.
أما الأمومة عند الإنسان تختلف كليا و دليل ذلك أشكال الرعاية للأبناء و اختلافها حسب اختلاف المجتمعات و الثقافات، فنجد مثلا أن الابن في المجتمعات الغربية يمكن أن ينفصل عن عائلته بعد سن 18 بينما نجد أن العائلة قد تبقى تمارس رعايتها و بأشكال مختلفة للابن طيلة حياته في بعض المجتمعات الشرقية مثلا.
فتعتقد الأم أن الابن الذي تلده هو امتداد بيولوجي لها، فعندما ترعاه و كأنها ترعى جزء منها، و هذا بدوره يعمق و يكثف من الشعور بالحب و لكن لا يخرجه عن سياقه الوظيفي في النهاية، هذا بالإضافة إلى طول فترة الرعاية للطفل عند الإنسان من قبل الأم، تلك الفترة التي تمارس فيها ذاتها و أحلامها، و بسبب طول هذه الفترة، فإن ذلك يخلق تعودا فيما بين الأم و ابنها ، بحيث يؤدي إلى تعميق الشعور بالحب و الارتباط، لكن في النهاية يبقى هذا الحب في إطار وظيفيته كذلك.
الحب والأمومة وجهان لحياة البشر لاغنى عنها
