حين يكون الخفض أعلى من التحليق

الشيخ علي العلي
ليس كلُّ صعودٍ مجدًا ولا كلُّ جناحٍ مؤهَّلًا لمقارعة الريح.
كم من طائرٍ حسب السماء ميراثه فلما هبَّت العاصفة تعلَّم متأخرًا أن الخفض حكمة وأن الانحناء أحيانًا أعلى مراتب الشموخ.
إن للعواصف لغةً لا يفهمها المستهزئون ولا تُترجمها الحماسة العمياء. فهي لا تأتي لتختبر القوة بل لتمتحن البصيرة فمن عرف قدرها صان جناحه ومن سخر منها صار عبرةً تتناقلها الجهات الأربع.
وليس النسر – وهو سيد الفضاء – ببعيدٍ عن هذا الدرس إذ حين أدرك أن الريح خرجت عن طاعته طوى كشحيه وآثر السلامة على المجازفة فبقي نسرًا ولم يتحول ذكرى على صخور الغياب.
فالعقل إذا لبس رداء التؤدة سبق الشجاعة وإذا تزيَّن بالحكمة قاد القوة لا العكس.
وهكذا الشأن في الناس والدول والأفكار
فمن خفَّض جناحه في زمن الاضطراب حفظ له الريح حق التحليق حين تهدأ
ومن ظنَّ أن الصخب بطولة علَّمته العاصفة أن الكبرياء بلا تقدير سقوطٌ مؤجل.
ليس في التراجع هزيمة إذا كان اختيارًا
ولا في الصمت ضعف إذا كان وعيًا
فكم من صامتٍ نجا وكم من صائحٍ ابتلعته العاصفة وهو يضحك.
فاخفض جناحيك… لا خوفًا بل فقهًا
ولا جبنًا بل إدراكًا أن السماء لا تُؤخذ دفعةً واحدة
وأن الطيران فنٌّ أولُه معرفة متى لا نطير.
___
٦ / شهر رمضان المبارك / ١٤٤٧
٢٤ / ٢ / ٢٠٢٦
