مهابةُ الشيبةِ وإندحارُ الفتنة

الشيخ علي العلي

يومُ النصرِ… وسورةُ العصرِ
ذلك اليوم الذي طلع فيه الصبحُ وله في الجبين سيوفٌ، وفي الهواء زفرةُ تاريخٍ عتيقٍ تشبه أنينَ الصناديدِ في الوغى. يومٌ اهتزّت له الرمالُ، وتقدّدت فيه الظلالُ كأنّها خُيولُ عادٍ وثمودَ تجري مَدَّ البصر.

وقد خَسِرَ من خَسِرَ… إلّا المؤمنين؛ أولئك الذين إذا هبَّت ريحُ الفتنةِ ثبتوا، وإذا اضطربت الأرضُ تحت أقدامِ الناسِ رسخوا كأنّهم هضابُ تهامة. فما اهتزّ لهم جفن، ولا تراجع لهم صدر، بل كانوا كما قال الأوّل:
«إذا اشتدَّ القتالُ رأيتهم كأنّهم شُمُّ الجبالِ لا يزيغون.»

وانتصر العراق…
انتصر ببركةِ تلك الشَّيبةِ المحمديّةِ العلويّة، شيبةٍ لو نفضت غبارَها على وجوهِ الطغاة لأورثتهم خجَلًا، ولجعلت الليلَ عليهم سترًا من رُعب. سيستانيّةُ المهابة، ثابتةُ الخُطى، لا تلوّنها الأيامُ ولا تُزحزحها تقلباتُ الفتن، كأنّها من نسلِ الدهرِ القديم، يوم كان الرجالُ يُعرفون من وهجِ جباهِهم لا من ضوضاءِ ألسنتهم.

وَلّى الذين كفروا الأدبار،
فما كانت لهم في ساحةِ العراق إلّا جَلَبَةٌ من خوف، وصهيلُ هزيمةٍ يطاردهم في ليلهم كسوطٍ من نار. تفرّقوا كما تتبدّدُ سرابيلُ الظلام عند أولِ ومضةِ فجر، وذهبوا كسهمٍ زائغٍ لا يعرف موضعه.

أمّا العراق—ذلك العتيقُ في الذاكرة، الفتيُّ في الحرب—فقد نهض نهضةَ مَن شرب من السيوفِ ماءً، ومن الرماحِ غذاءً. نهضةً تذكّر بصلابةِ فرسانِ الجاهلية حين كانت الأرضُ إذا وطئوها أصدرت لَهَجَةَ الحديد.

وهكذا…
كان يومُ النصرِ يُشبه سورةَ العصر؛
قسمٌ على أنّ الخسرانَ يتبع من انسَلخ من الحق، وأنّ الفلاحَ يسكن صدورَ المؤمنين.
فما بين قسمٍ من السماء، وصهيلٍ من الأرض، كُتب للعراق أن يبقى…
ولمَن خذله أن ينحني،
ولمَن آمن به أن ينتصر

١٠/ ١٢/ ٢٠٢٥
الموافق
١٨/ جمادى الاخرة/ ١٤٤٧

زر الذهاب إلى الأعلى