هل وصلت فرنسا إلى نقطة اللاعودة؟

أصواتنا : بغداد / فارس آل سلمان
بعد ان كانت فرنسا واحدة من أكبر خمس قوى اقتصادية في العالم، حيث سجلت نموًا اقتصاديًا بنسبة 4%، وكان لديها صناعات ثقيلة متطورة وقطاع نووي متصاعد، كما كانت تمتلك نفوذا جيوسياسيًا كبيرًا في أوروبا، الشرق الأوسط، وأفريقيا، بالاضافة الى صناعات عسكرية متقدمة.
فرنسا اليوم تمر بأزمة سياسية واقتصادية خانقة، فبين عامي 2022 و2024 تغيرت خمسة حكومات فرنسية، واصبح البرلمان منقسما إلى ثلاثة كتل ضخمة: اليمين، اليسار، والوسط. هذا الانقسام الحاد أدى إلى شلل سياسي حال دون اتخاذ أي إجراءات إصلاحية حقيقية.
الاقتصاد الفرنسي، الذي يبلغ حجمه 2.6 تريليون يورو، يعاني من عجز حاد في الموازنة، حيث أصبح الدين العام يقدر بـ 3.1 تريليون يورو، ومع الالتزامات شبه الحكومية، يتجاوز الدين 4 تريليونات يورو. هذا الدين يعني أن فرنسا تدفع سنويا ما بين 67 إلى 70 مليار يورو فوائد، ومن المتوقع أن تتضاعف هذه الفوائد إلى 100-120 مليار يورو بحلول عام 2030، دون تسديد أصل الدين مما جعل وكالة فتش في تشرين2/نوفمبر 2024 تخفض التصنيف الائتماني لفرنسا رسميا وهو انذار للاسواق.
تعد السندات الفرنسية اليوم أكثر مخاطرة من السندات اليونانية والإسبانية، في وقت يعتبر فيه الاقتصاديون أن النموذج الفرنسي الاقتصادي قد أصبح معطلا، اذ تنفق الحكومة الفرنسية على الرعاية الاجتماعية بنسبة 30% من الناتج المحلي، وهي أعلى نسبة في العالم، بينما تشكل الرواتب 14% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل في أوروبا. وتمثل الضرائب 45.6% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أعلى معدل في دول الاتحاد الأوروبي.
في ضوء هذا الوضع الاقتصادي المتدهور، تواجه فرنسا خيارين في المستقبل القريب الاول في حال استمرت الحكومة الفرنسية بالفشل في اتخاذ اجراءات إصلاحية حقيقية، قد يحدث انفجار في أسواق السندات الفرنسية، اي أن المستثمرين قد يعتبرون فرنسا دولة غير موثوقة، مما يزيد من تكاليف الفائدة على الدين العام، ويؤدي إلى اختناق اقتصادي حاد.
السيناريو الثاني، قد يتدخل صندوق النقد الدولي أو البنك المركزي الأوروبي كما حدث مع اليونان في عام 2011 وهو ما سيكون بمثابة فضيحة سياسية لفرنسا التي تعتبر نفسها من كبار قادة الاتحاد الأوروبي، إلا أن تدخل المؤسسات الدولية لن يكون كافيًا لتفادي انهيار الاقتصاد الفرنسي، فحجم الاقتصاد الفرنسي أكبر بكثير من الاقتصاد الإيطالي و اليوناني، ما يعني أن أي تدخل سيحتاج إلى إصلاحات قاسية تشمل الخصخصة، رفع سن التقاعد، وتقليص الإنفاق الاجتماعي.
فرنسا اليوم محاصرة بين نظام اجتماعي سخي ونظام ضريبي خانق، الحكومة عاجزة عن اتخاذ أي قرارات حاسمة بشأن خفض الإنفاق أو زيادة الضرائب، فالشعب لن يقبل بتخفيضات كبيرة في الإنفاق الاجتماعي، ولا البرلمان قادرعلى تمرير أي خطة إصلاحية، وقد تفجرت الاحتجاجات بعد أن قرر الرئيس ماكرون رفع سن التقاعد من 62 إلى 64 عامًا.
مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية اوصلت فرنسا لهذه الحالة فسياسات الدعم والاعفاءات الضريبية لفئات معينة و برامج الطواريء لازمة كورونا، والحرب في أوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة، أضافت اعباءا على الاقتصاد الفرنسي. مما دفع الشركات الفرنسية الكبرى الى الشروع بنقل مصانعها إلى الخارج بسبب الضرائب العالية، ما أدى إلى زيادة معدلات البطالة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، كل ذلك جعل الانفاق يرتفع ليصبح فوق قدرة الدولة.
فضلا عن تأثر الشركات الصناعية الالمانية الكبرى بازمة ارتفاع اسعار الطاقة و انتقالها لخارج اوربا اجبر آلاف الشركات المتوسطة والصغيرة الفرنسية على الافلاس والتي كانت تشكل سلاسل التوريد للشركات الالمانية.
فضلا عن تهديدات خارجية من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة، الصين، وروسيا، التي تركز على حرمان فرنسا من ثرواتها في مستعمراتها السابقة في أفريقيا، كما أن سياسات الأمن الأوروبي قد تأثرت بتغيرات السياسة الأمريكية في ظل إدارة ترامب، مما زاد من الأعباء على فرنسا، ووجدت فرنسا نفسها في قلب اعصار اقتصادي وسياسي بوقت واحد، إذا استمر الوضع على هذا النحو، فإن فرنسا ستجد نفسها أمام أحد الخيارات الصعبة في الانتخابات الرئاسية لعام 2027.
•رئيس الهيئة الادارية لمنتدى بغداد الاقتصادي
