ذوبان الذات في مرآة الآخرين.

الشيخ علي العلي

إنّ من أعظم ما ابتُليت به النفوس في هذا الزمان داءٌ خفيّ يتسلّل إلى القلوب تسلّلَ النسيم ثم لا يلبث أن يصير إعصارًا يقتلع أصول العزّة منها ألا وهو هوسُ إرضاءِ الآخرين
والتفريطُ بالذات في سبيل ابتسامةٍ عابرة أو رضا لا يثبت.

وما هكذا تُبنى الرجال ولا هكذا تُصان الكرامات
فإنّ النفس إن لم تُقم لها ميزانًا من الحقّ وتُحدّ لها حدودًا من الوقار صارت نهبًا لأهواء الخلق تتقلّب بتقلّب رغباتهم كغصنٍ يابسٍ تعبث به الرياح حيث شاءت.

أترى الذي يهدر رأيه ويسكت صوته أيبقى له من ذاته شيء؟ كلاّ بل يذوب كما يذوب الملح في الماء حتى لا يُعرف له طعمٌ ولا أثر.
فالتضحية إن لم تُوزن بميزان العقل
كانت تضييعًا وإن لم تُحط بسياج الحكمة صارت مهانة.

وقد قال الحكماء: (من أرضى الناس بسخط نفسه عاش مُكدّرًا ومات مغمورًا )
لأنّ رضا الناس غايةٌ لا تُدرك وساحلٌ لا يُبلغ
كلّما ظننتَ أنك بلغتَه نأى عنك وابتعد.

فاحفظ لنفسك قدرها وأعطها حقّها ولا تجعلها جسرًا يعبر عليه كلُّ عابر فإنّ النفس الكريمة لا تُبذل إلا بحقّ ولا تُضحّى إلا لغايةٍ تُشبهها في السموّ.

واجعل ميزانك أن ترضي ربّك ثم ضميرك ثم تمضي في الناس محسِنًا لا مُتكسّبًا لرضاهم فمن عرف قدر نفسه أعزّها ومن أعزّها أعزّه الله ورفعه بين الخلق وإن لم يطلب رفعة.

فكن أنت لا صدىً لغيرك فإنّ الصدى وإن علا صوته فهو في الحقيقة صوتُ غيره

٢٦/ شوال / ١٤٤٧
١٥ / ٤ / ٢٠٢٦

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى