حين يتربص الشر

قطرالندى السعد
كثيراً ما تتردد على مسامعنا عبارات تؤكد أن النوايا الطيبة هي مفتاح كل خير، وأن لكل امرئ ما نوى، وأن أفعال البر هي بوابة التوفيق والرزق الواسع. بل إنها تُعد من أسمى العبادات الخفية؛ فكلما كان الإنسان أنقى سريرة، تفتحت أمامه الأبواب المغلقة، ومالت إليه القلوب بالمودة. قد يعجز المرء عن فعل الخير لضيق ذات يد أو قلة حيلة، لكن الله المطلع على خبايا النفوس يعين صاحب النية الصادقة وييسر مقصده على قدر إخلاصه.
لكن، هل تكفي النية وحدها في واقعنا المعقد؟ المؤسف أن الطيبة المفرطة أصبحت في أحيان كثيرة “عيباً” أو فريسة سهلة للخداع. لم يعد كافياً أن تكون نظيف القلب لتعيش بسلام، فهناك من يحترف ارتداء الأقنعة؛ تقابل أشخاصاً بأخلاق رفيعة وأسلوب آسر، فتظنهم ملائكة تمشي على الأرض، وتعتقد أن تواضعهم صدقٌ وكمالهم حقيقة.
ومع مرور الوقت، يسقط القناع المزيف وينكشف المستور، لتدرك أن تلك الصورة الجميلة لم تكن إلا أشلاء ممزقة خلف مظهرٍ خداع. والأنكى من ذلك، أن هؤلاء يظنون أنهم ببراعتهم في التخفي لن يكتشفهم أحد، متناسين أن المواقف هي الاختبار الحقيقي للمعادن.
ربما كان ذنبنا الوحيد هو رسم عالم مثالي؛ نفترض فيه أن اليد الممدودة بالسلام ستُقابل بمصافحة حارة، وأن الجميل سيُرد بأحسن منه. لكن الواقع يصفعنا أحياناً بحقيقة مغايرة، حين تتحول نوايانا الطيبة إلى وقود لنيران الشر، ويُقابل العطاء بنكران يصل حد الأذى.
“لا يوجد شعور يضاهي مرارة أن تقدم أجمل ما فيك، لتتلقى في المقابل أسوأ ما في الآخر.”
إنه شعور الخيبة حين تكتشف أن بذور الخير التي زرعتها في أرض ظننتها خصبة، لم تنبت إلا شوكاً. وإن من أكبر الأخطاء التي نرتكبها بحق أنفسنا هي “فرط الطيبة”؛ تلك الشعرة الفاصلة بين نبل ما نحمل، وخطيئة ما نجهل عن طباع البشر. فإن سوء استغلال الآخرين لكرم نفوسنا قد يفتح أعاصير تقتلع جذور الإنسانية في دواخلنا.
سلاماً على تلك القلوب التي لا تزال تزهر، رغم أنها سُقيت يوماً بماء الجحود.عندما يتربص الشر
