في أربعينية الشاعر مهدي عبود السوداني

عندما يرحل الشعراء
عبدالأميرالديراوي
نحن نعلم إن كل رحيل مفجع وثقيل الوطأة على النفوس وهو ما يعني الإنقلاب على الحياة بل نهايتها الأبدية .
لكن هل تنطبق هذه الحالة على الشعراء عندما يرحلون ؟ نقول كلا فهم يتحولون الى ذاكرة خالدة
في النفوس فقد رحل أحمد شوقي والجواهري والرصافي وأحمد الصافي النجفي وبدر شاكر السياب ونازك الملائكة وعبدالرزاق عبدالواحد والبريكان وبقيت آثارهم لأجيال بعد أجيال ورحل مظفر النواب وكاظم إسماعيل الكاطع وعريان السيد خلف ومجيد جاسم الخيون وأبو سرحان لكن كلماتهم بقيت ترن في ضمائر الناس وقلوبهم حتى أمست الذاكرة مليئة بأعذب ما قيل من قصائد
وأغنيات وتردد الحناجر أناشيد المحبة والفخر والجمال .
وأذ يفارقنا أخيرأ شاعر تغنى بالهور والبريسم والصفصاف فقد فقدت الذائقة الشعرية لون من ألوانها المتجددة والواعية لنبض الشارع والحياة في مدننا المزهوة في
بالحنين والشوق حتى تباكت المفردة على من كان يطوعها لتحيا في عقول الناس وذائقتهم المتفتحة دائما على هذا النوع من الشعر الأصيل المتجذر أنه الراحل الكبير مهدي عبود السوداني رحمه الله هذا الانسان الذي مزج بين نقاء الروح ونقاء الكلمة التي جعل منها رسالة تحاكي الوجدان وتمنح النفس قوة من الإنشداد الروحي
والجمالي .
عرفت مهدي منذ منتصف
ستينات القرن الماضي عندما كان يسكن منطقة الجمهورية التي ضمت خليطا من فقراء المدينة لكنها أنجبت أيضا معظم الشعراء والفنانين ومثقفي البصرة الذين يصعب عدهم هنا.
فقد أبلغني الفنان المرحوم مالك الديراوي إنه تعرف على شخص من الجمهورية كان جندي معي في الشمال يدعي مهدي عبود يكتب أشعارا جميلة وعندما تسرحا من الخدمة العسكرية أخذني ليعرفني عليه فإلتقينا سوية في أحد مقاهي الجمهورية ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع العلاقة التي تجاورت ال 60 سنه فقد كانت رفقة لا تشوبها أي شائبة بل كانت تتأصل كلما إمتد الزمن بل علاقة صميمية لم تفرقها الأيام ولا البعد أو مقتضيات العمل.
ومهدي إبن مدن جنوب العراق تعامل مع بيئة تلك المدن شعريا وفق إسلوب يمزج بين الحب وترافة المفردة وبين الطبيعة الجذابة فهو الرائد في ربط الكلمة الشعبية التي ندعوها بالحسجة مع مفردة الحداثة فهو أحد المجددين في القصيدة وصاحب مهارة لغوية في الجمع بين الأجناس والأساليب والأوزان قديمها وحديثها.
لذلك تجد نتاجه الشعري يتسم بالصدق والمشاعر
الحسية التي تتناغم مع أنفاس المتلقي فهو يحوي صور مبتكرة لم تكن مألوفة أو مكرورة ونراه يكتب بروحه المتواضعة ليكون قريبا من متلقي ومحبي قصائده وعشاق الأدب الشعبي .
لم تغب يامهدي عني فصورتك محفورة داخل الفؤاد ووسط بؤبؤ العين التي لا تشتهي إلا النظر
إليك فماذا أقول لمن كان لا يرانا إلا سوية لا نفترق هل اقول له مسافر لكن الى أين؟
وكيف تسكن روحي عندما لاتجد يوميا صباحياتك الغابشة بالورد والعطر .
أيها الشقيق الروحي كيف أخفي مشاعر محبوسة في الضمير لا تبددها الأيام ففراقك يعني الموت المؤجل والحزن الذين لا يطاق .
نم أيها المتربع على عرش المحبة والإخلاص نم بسلام وأمان فقد تركت بالقلب جرحا بليغا ليس له أي دواء.
رحمك الله ودثرك برحمته
ورضوانه.
