أحزان البصرة لا تشيخ

الشيخ علي العلي

يا لبصرةِ الحزن كم أرهقكِ الفقد وكم أثقل قلبكِ الرحيل.
فها هي قافلةٌ خرجت تحمل عبق الزيارة وقد تشرفت بخطواتها نحو مرقد أمير المؤمنين عليه السلام ثم عادت وفي ظنها أن الأمهات على الأبواب والأطفال يترقبون الوجوه والديار تستعد لاستقبال الأحبة. لكن يد المنية سبقت الأمنيات فافترشت الطريق بين الناصرية والبصرة وجعلت منه ممراً إلى الدار الآخرة.

ترجل أكثر من سبعةٍ وعشرين روحاً كانوا منذ ساعات يلهجون بالذكر والدعاء فإذا بهم شهداء الحوادث والسفر يلفهم غبار الطريق ويحتضنهم دخان الفاجعة ويشيعهم أنين القلوب قبل دموع العيون.

أيها الراحلون… لقد خرجت العيون تستشرف عودتكم وتعلقت القلوب بوقع خطاكم فإذا بالطريق يبتلع الأصوات ويعيد إلى أهلكم أسماءً منقوشةً على لوح الفقد لا تطرق باباً ولا تجيب نداء.

تركتم وراءكم أمهاتٍ قد شاب الحزن في رؤوسهن وآباءً أحدبهم الأسى وأطفالاً سيكبرون وهم يسألون عن وجوهٍ غابت ولم تعد.

وللجرحى الذين تناثرت على أجسادهم آثار اللهيب والرماد نسأل الله أن يكسو آلامهم بالعافية وأن يجعل ما أصابهم رفعةً في الدرجات وأن يربط على قلوبهم وقلوب ذويهم.

آهٍ يا بصرتي… يا مدينةً كلما أشرقت فيها شمسٌ غربت منها قلوب.
تبكين أبناءكِ اليوم كما بكت المدن العظيمة فرسانها وتلوذين بالصبر كما يلوذ الموج بشاطئه الأخير.

نسأل الله أن يتغمد الضحايا بواسع رحمته وأن يحشرهم مع محمد وآل محمد وأن يجعل زيارتهم وخطواتهم إلى مرقد أمير المؤمنين عليه السلام شفيعةً لهم يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون.

ونسأل المولى الكريم أن يمدَّ جرحانا بيده الرحيمة فيجبر كسرهم ويذهب بأسهم ويمنَّ عليهم بالشفاء والعافية .
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

البصرة
٢٢ / ذي الحجة / ١٤٤٧
الموافق ٨/ ٦ / ٢٠٢٦

زر الذهاب إلى الأعلى